عبد العزيز الدريني
89
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
على باب الفضيل رحمه اللّه تعالى ، فاطلع عليهم من كوة وهو يبكى ويرجف ، فقال عليكم بالقرآن ؛ عليكم بالصلوات ، وهذا زمان بكاء وتضرع ودعاء كدعاء الغريق ، هذا زمان : احفظ لسانك وأخف مكانك ، وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وهذا أخذه الفضيل من حديث عقبة بن عامر لما ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم اختلاف الزمان فقال : « ما النّجاة يا رسول اللّه ؟ قال أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك » . وكان الفضيل يوما يمشى فقيل له إلى أين ؟ قال لا أدرى وكان والها من الخوف ، ووقف قوم بعابد يبكى فقالوا له ما يبكيك ؟ قال روعة يجدها الخائفون في قلوبهم ، قالوا وما هي ؟ قال روعة النداء بالعرض على اللّه تعالى . وكان الخواص يبكى ويقول : إلهي كبرت وضعف جسمي عن خدمتك ، فأعتقني . وجاءت مولاة لعمر بن عبد العزيز فقصت عليه أنها رأت في المنام كأن الصراط قد مدّ على جهنم وهي تزفر على أهلها ، وذكرت أنها رأت رجالا مرّوا على الصراط فأخذتهم النار ، قالت ورأيتك يا أمير المؤمنين وقد جئ بك ، فوقع مغشيا عليه وبقي زمانا يضطرب وهي تصيح في أذنه رأيتك واللّه قد نجوت . وكان طاوس يفرش فراشه ويضطجع عليه فيتقلى كما تتقلى الحبة في المقلاة ، ثم يقوم فيطويه ويصلى إلى الصبح ويقول طيّر ذكر جهنم نوم الخائفين . وكان الحسن البصري إذا جلس كأنه أسير قدّم ليضرب عنقه ، ومكث أربعين سنة لم يضحك . وقال رجل لبعض الصالحين أوصني ، قال : يا أخي إن استطعت أن تكون كرجل احتوشته السباع والهوام فهو خائف أن يغفل فتفترسه السباع ، أو تنهشه الهوام فهو خائف حذر وجل القلب ، فهو في الخوف في ليله وإن أمن المغترون ، وفي الحزن في نهاره وإن فرح البطّالون ، فقال زدني رحمك اللّه ، قال : يا أخي الظمآن يجزيه من الماء يسيره .